إعلان مجاعة ونفي إسرائيلي.. هل صار الغذاء سلاح الحرب في غزة؟
بلغت أزمة الجوع في غزة مستوى غير مسبوق، مع تسجيل ارتفاع حاد في الوفيات نتيجة سوء التغذية، في وقت تكشف وكالات الإغاثة عن ازدياد سريع في حالات الهزال بين الأطفال، ونقص خطير في المواد الغذائية وحليب العلاج داخل المستشفيات.
وأعلنت الأمم المتحدة، الجمعة، رسميًا، وقوع مجاعة في غزة، في أول إعلان من نوعه في الشرق الأوسط، وفق فرانس برس، محذِّرةً من أن نحو 500 ألف شخص يواجهون جوعًا "كارثيًّا".
وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، إن هذه "مجاعة كان يمكن تفاديها بالكامل" لولا "العرقلة المنهجية" لدخول المساعدات الغذائية.
تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي يؤكد أن الأزمة دخلت مرحلة حرجة على نحو رسمي، إذ أفاد بأن المجاعة تفشّت في منطقة بمحافظة غزة (شمال القطاع) وأنها مرجّحة الانتشار خلال الشهر المقبل إلى مناطق أخرى.
وذكر أن نحو 514 ألف شخص، قرابة ربع سكان القطاع، يعانون من المجاعة، مع توقّع ارتفاع العدد إلى 641 ألفًا بحلول نهاية سبتمبر.
ويُقدَّر أن قرابة 280 ألفًا من هؤلاء في المنطقة الشمالية، بينما يعيش الباقون في دير البلح وسط القطاع وخانيونس جنوبًا، حيث يُتوقّع أن تضرب المجاعة المنطقتين بنهاية الشهر المقبل.
من جهتها، عقّبت وزارة الخارجية الإسرائيلية على تقرير المرصد بقولها إنه "لا توجد مجاعة في غزة".
أزمة الجوع بلغت نقطة حرجة
حذّرت وكالات إغاثة وخبراء في سوء التغذية والأمم المتحدة من أن أزمة الجوع في غزة بلغت نقطة حرجة مع انخفاض الإمدادات من الحليب المدعّم وغيره من المواد المزودة بالعناصر الغذائية الخاصة، بما يزيد عدد الأطفال المهددين بالجوع.
وصدر، الجمعة، تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المرصد العالمي الرئيسي للجوع الذي يعمل مع الأمم المتحدة ووكالات إغاثة أخرى.
وكان تقرير مؤقت أصدره في أواخر يوليو قد قال إن المجاعة "تتكشّف" في غزة.
وذكرت رويترز من قبل أن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي يواجه صعوبة في الحصول على البيانات اللازمة لتقييم الأزمة.
وبعد احتجاجات عالمية ضد قيود صارمة فرضتها إسرائيل على دخول المساعدات منذ مارس، بدأ الجيش الإسرائيلي السماح بدخول المزيد من الغذاء إلى غزة في أواخر يوليو.
"المكمّلات الغذائية المنقذة للحياة"
لكن ثلاثة خبراء في الجوع وموظفي إغاثة من ست وكالات قالوا لرويترز إن الكميات ضئيلة للغاية والتوزيع فوضوي جدًّا بحيث لا يمكن وقف إصابة المزيد من السكان بسوء التغذية، في حين لا يحصل أولئك الذين يعانون بالفعل من الجوع أو الضعف على المكمّلات الغذائية المنقذة للحياة.
وبحسب أرقام وزارة الصحة في غزة، والتي أكّدتها منظمة الصحة العالمية، فإن الوفيات الناجمة عن سوء التغذية والجوع آخذة في الارتفاع.
ففي فترة 22 شهرًا التي أعقبت هجوم حماس على بلدات بجنوب إسرائيل في 7 أكتوبر، حدثت 89 حالة وفاة نتيجة سوء التغذية أو الجوع، معظمهم أطفال دون 18 عامًا.
وأعلنت الوزارة في القطاع، الأربعاء، تسجيل 133 حالة وفاة تشمل 25 طفلًا دون 18 عامًا في أول 20 يومًا فقط من أغسطس.
"خطر مقبل على الأطفال والحوامل"
قالت جانيت بيلي، مسؤولة التغذية لدى لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة إغاثة مقرّها نيويورك: "نشهد أسوأ كارثة إنسانية على الإطلاق يمكن قياسها".
وأضافت: "سيموت عدد أكبر بكثير من الأطفال، وعدد أكبر بكثير من النساء الحوامل والمرضعات اللاتي يعانين من سوء التغذية".
وترفض إسرائيل التقارير عن انتشار سوء تغذية بين الفلسطينيين في غزة، وتُشكّك في أرقام الوفيات الناجمة عن الجوع التي تعلنها وزارة الصحة في القطاع، قائلة إن الوفيات ناجمة عن أسباب طبية أخرى.
ما الوضع الغذائي في المستشفيات؟
يوجد بعض الأطفال الأكثر معاناة من سوء التغذية في المستشفيات القليلة التي لا تزال تعمل في غزة، حيث يسعى الأطباء جاهدين للحصول على إمدادات من الحليب العلاجي الخاص.
في مستشفى الرنتيسي بمدينة غزة، حمل الطبيب أحمد بصل رضيعًا بدت ذراعاه نحيلتين من شدّة الهزال.
وقال إن تكلفة الحليب الصناعي العادي، حتى عند توافره، تصل إلى 58 دولارًا للعلبة، فيما تعاني الأمهات أنفسهن من سوء تغذية شديد، ما يجعلهن غير قادرات على إرضاع أطفالهن طبيعيًّا.
أعطت عائشة وهدان، التي بدا عليها الضعف والهزال، ابنها حاتم البالغ من العمر 8 أشهر الحليب المدعّم من زجاجة.
وقالت إنها قبل وصولها إلى المستشفى حاولت فطامه على النباتات البرية مثل الخروب والبابونج والزعتر لأنها لم تتمكن من تغذيته بالرضاعة الطبيعية.
وتابعت: "لم يكن هناك حليب. استخدمت أعشابًا طبيعية وجربت كل شيء لأنه لم يكن هناك بديل للحليب".
وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، الثلاثاء، أن بعض حليب الأطفال العادي، اللازم لمن فقدوا أمهاتهم أو لمن لا تستطيع الأمهات إرضاعهم رضاعة طبيعية أو عند إصابة الطفل بالمرض، قد دخل غزة منذ تخفيف الحصار المفروض على المساعدات.
إلا أنّ الوكالة أكّدت أنّ مخزونها يكفي لنحو 2500 طفل فقط لمدة شهر، وتُقدّر أن 10 آلاف طفل على الأقل يحتاجون إلى حليب الأطفال.
وقال أنطوان رينارد، مدير برنامج الأغذية العالمي في فلسطين: "من دون دخول وتوزيع مستمرّ لعناصر مثل موادّ التغذية التكميلية المتخصّصة، البسكويت عالي الطاقة والأغذية المدعّمة، فإننا نشهد أزمة يمكن تجنّبها تتحول إلى حالة طوارئ غذائية واسعة النطاق".
وأضاف: "في البداية يؤثر ذلك على الفئات الأكثر ضعفًا لكن بطبيعة الحال سيتّسع نطاق ذلك".
المواقف الإسرائيلية والاتهامات المتبادلة
وقالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (كوغات)، في بيان صدر في 12 أغسطس، إنّ معظم الوفيات التي عزتها السلطات الصحية الفلسطينية إلى سوء التغذية ناجمة عن حالات طبية أخرى.
ويصرح خبراء سوء التغذية إن الوفيات بين الذين يعانون من مشكلات صحية بالفعل أمر شائع في المراحل المبكرة من أزمة الجوع.
وأقرّت إسرائيل بنقص الغذاء لكنها تلقي باللوم على الأمم المتحدة وتقول إن المنظمة فشلت في توزيع الإمدادات بكفاءة، وتتّهم حماس أيضًا بسرقتها، وهو ما تنفيه الجهتان.
وأضافت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق أن الجيش الإسرائيلي يتصرف "للسماح بتسهيل استمرار دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة وفقًا للقانون الدولي".
واتّهم مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في يونيو إسرائيل باستخدام غذاء المدنيين "سلاحًا"، ووصف ذلك بأنه جريمة حرب بعد توثيق مقتل المئات على يد الجيش الإسرائيلي أثناء محاولتهم الوصول إلى مواقع توزيع المساعدات التي تديرها "مؤسسة غزة الإنسانية"، وهي منظمة مدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة.
واعترف الجيش الإسرائيلي بأنّ قواته قتلت بعض الفلسطينيين الذين كانوا يسعون للحصول على المساعدات، وقال إنّه أعطى جنوده أوامر جديدة لتحسين الاستجابة.